Home أخبار الجليطي… اسم كتبته ملحمة بنقردان

الجليطي… اسم كتبته ملحمة بنقردان

0 second read
0
0
722

في فجر السابع من مارس سنة ألفين وستة عشر، كانت بنقردان ما تزال تتثاءب على ضوءٍ خافت يتسرّب من وراء الأسوار. مدينةٌ عُرفت بالحِصن المنيع، ويُقال إن اسمها ارتبط بلفظٍ أجنبي يعني “الحارس”، كأنّها كُتبت منذ البدء لتكون ساهرةً على بوّابة الوطن الشرقية

في ذلك الصباح، لم يكن الأذان وحده من شقّ سكون الفجر بل دوّت صفّارات الإنذار من الثكنة العسكرية، حادّةً كالرصاصة، قاطعةً ما تبقّى من هدوء الليل. كان الصوت كافيًا ليعلن أن يومًا غير عادي قد بدأ، وأن المدينة مقبلة على امتحانٍ ثقيل

استيقظ نبيل لبن أو جليطي كما عرف على ذلك الصوت. لم يحتج إلى كثير من الوقت ليستوعب ما يحدث؛ كان ذهنه قد نهض قبل جسده، متأهّبًا كجندي يعرف أن اللحظة التي طال انتظارها قد حلّت. لم يتردّد. لم يسأل. لم يلتفت خلفه طويلًا. غادر منزله مسرعًا، يحمل سلاحًا بسيطًا، يلفّ رأسه بشاشٍ أبيض ارتداه على عجل، وملابسه ما تزال ملابس بيتٍ دافئ كان قبل دقائق فقط مأمنًا لعائلته

خرج وكأنّه يرى خصمه أمامه، كأنّ المواجهة لم تعد احتمالًا بل حقيقةً شاخصة. في تلك اللحظة، لم يكن هناك سوى خيار واحد: أن يتقدّم. بين خوفٍ مشروعٍ يسكن القلب، وواجب أكبر يفرضه القسم، اختار أن يكون في الصفّ الأوّل

هكذا بدأت الملحمة. وهكذا بدأت حكاية رجل وجد نفسه في قلب التاريخ، يوم دحرت المدينة الإرهاب، وكتبت اسمها من جديد… حارسًا لا ينام

وُلد نبيل الجليطي في بنقردان، المدينة التي ورث الانتماء إليها أبا عن جد، سنة ألف وتسعمائة وثلاثة وسبعين. هناك فتح عينيه الأولى على فضاءٍ يمتدّ بين صرامة الصحراء ونسمات البحر، في بيئةٍ شكّلت ملامح جيله وصقلت طباعهم

نشأ مثل غيره من أبناء زمنه في وسط اجتماعي بسيط، تتقاطع فيه خشونة الأرض مع صبر أهلها، وتتمازج فيه قسوة الطبيعة مع دفء العلاقات الإنسانية. كانت طفولته ممتدة بين هذا وذاك، حيث يتعلّم الصغار باكرًا معنى الاعتماد على النفس وحبّ المكان

وفي ذلك الفضاء المفتوح، ترسّخ في داخله حب الأرض، حب فطريّ عميق، يشبه تعلّق الطفل بأمّه؛ إحساس بالانتماء لا يتزعزع، ينمو مع السنين ويكبر مع التجارب، حتى يصبح جزءًا من الهوية والذاكرة

زاول نبيل الجليطي تعليمه في معتمدية بنقردان إلى حدود مستوى الباكالوريا، قبل أن يختار في مطلع شبابه طريقًا مختلفًا، طريق الخدمة والانضباط، فالتحق بالسلك الأمني. كان ذلك الخيار يبدو طبيعيا فقد توفّرت فيه منذ الصغر مقوّمات هذا المسار: طول القامة، قوّة البنية، وروح شجاعة لا تتردّد حين يتعلّق الأمر بحماية الوطن

شيئًا فشيئًا، ومع تراكم التجربة والانضباط في العمل، شقّ طريقه داخل المؤسسة الأمنية بثبات، إلى أن تولّى خطة رئيس حضيرة الأمن السريع في بنقردان. وهناك، في تلك المرحلة الحسّاسة من تاريخ المدينة، سيجد نفسه في قلب لحظة فارقة، لحظة ستكتب اسمه في ذاكرة المكان

ففي تلك الأيام العصيبة، حين واجهت المدينة الإرهاب، كان من بين الرجال الذين تقدّموا الصفوف الأولى، في معركة اعتبرها كثيرون صفحةً جديدة من تاريخ البلاد، أو ما يشبه الاستقلال الثاني لتونس، حيث انتصر أهلها وأبناؤها للحياة، ودافعوا عن أرضهم بكل ما يملكون من شجاعة وإيمان

يستعيد والده تلك اللحظات بذاكرة لا تزال حيّة، فيقول إن نبيل لم يتردّد لحظة في الدفاع عن وطنه. فمنذ الأيام الأولى لانطلاق الأحداث، كان على دراية بما يجري في محيط مدينته بنقردان، وبما يلوح في الأفق من مخاطر تهدّد استقرار البلاد

ويضيف أن نبيل كان يتابع التطوّرات منذ الثاني من مارس سنة ألفين وستة عشر، حين تسلّلت مجموعات وصفها بالمخرّبين عبر الصحراء من الحدود بين ليبيا وتونس، في محاولة لزعزعة الأمن وإدخال المدينة في دوّامة العنف. منذ تلك اللحظة، بدأت أولى المواجهات، وكان نبيل في حالة استعداد دائم، مدركًا أن الأيام القادمة قد تحمل امتحانًا عسيرًا

ويؤكد والده أن تولّيه مسؤوليته في الأمن السريع جعله أكثر يقظة، خاصة مع ما كانت تشير إليه المعلومات والاستعلامات من تحرّكات مريبة توحي بأن أمرا خطيرا يُدبَّر في الخفاء. لذلك كان نبيل ، على أتمّ الجاهزية، مستعدًا في كل لحظة ليكون في الصفوف الأولى دفاعا عن أمن البلاد، وحفاظًا على استقرار تونس وسلامة أبنائها

ونعود بالأحداث إلى ذلك اليوم الفارق في تاريخ تونس وفي المسار المهني والشخصي لنبيل الجليطي فجر السابع من مارس. في ذلك الصباح، انطلقت أولى الهجمات المنسّقة التي استهدفت عدّة مواقع في وقت واحد، من بينها مقرّ الحرس الوطني والثكنة العسكرية بمنطقة جلال، إضافة إلى مؤسسات سيادية أخرى داخل بنقردان. كان الهدف واضحًا : السيطرة على المدينة وبسط نفوذ الجماعات الإرهابية داخلها

ومع انتشار المسلّحين في عدد من أحياء المدينة، أدرك الجليطي بسرعة أنّ الوضع خطير وأن الأمور لم تعد تحت السيطرة. غير أنّه لم يفقد هدوءه فاختار أن يتحايل على الظروف الصعبة، إلى أن تمكّن من الوصول إلى زملائه للحصول على السلاح الكافي لمواجهة العناصر الإرهابية. وما إن تسلّح بما يلزم حتى عاد إلى قلب المدينة، بمفرده، متوجّها نحو ساحة المغرب العربي

هناك، في ذلك المكان، بدأت واحدة من أكثر اللحظات حسمًا في المواجهة. فقد وجد نبيل نفسه في مواجهة مباشرة مع مجموعة مسلّحة كانت تستعدّ لمهاجمة مركز الشرطة آنذاك. وفي خضمّ تلك اللحظات العصيبة، لم يكن وحده؛ إذ التفّ حوله عدد من أبناء بنقردان، يحذّرونه من تحرّكات المهاجمين، ويوجّهونه بخصوص تحركات العناصر الإرهابية، ويقدّمون له الماء حين يشتدّ عليه العطش. كانوا يشجّعونه ويصفّقون له في مشهدٍ استثنائي، بدا وكأن المدينة بأكملها تحوّلت إلى جبهة واحدة في وجه الإرهاب

ذلك الالتفاف الشعبي منح نبيل دفعةً معنوية كبيرة، فاشتدّت عزيمته في المواجهة. وتمكّن خلال الاشتباك من القضاء على أحد أخطر العناصر الإرهابية، وهو قائد المجموعة المدعو مفتاح مانيطة. وبعدها، استولى نبيل على سلاحه من نوع “كلاشنيكوف” وعلى هاتفه الجوّال الذي كان لا يزال يرنّ. وحين ردّ على الاتصال، سمع حديثًا يفيد بأنّ تعزيزات أخرى ستصل من ليبيا، وهو معطى بالغ الأهمية في تلك اللحظات الحاسمة

فور ذلك، سارع نبيل بالاتصال بالمركزية لإبلاغهم بالمعلومة وطلب تعزيزات أمنية وعسكرية عاجلة. ومع وصول التعزيزات وتكثّف التدخّل الأمني والعسكري، بدأت الكفّة تميل لصالح الدولة، لتتواصل المواجهات إلى أن أُحبط المخطّط الإرهابي وتمّ استرجاع السيطرة الكاملة على المدينة

هكذا استعادت بنقردان هدوءها وسلامتها، بفضل تلاحم القوات الأمنية والعسكرية مع أهالي المدينة الذين وقفوا صفًا واحدًا دفاعا عن أرضهم. غير أنّ ذلك النصر لم يكن بلا ثمن، فقد قدّمت تونس في تلك المعركة شهداء من الأمنيين والعسكريين والمدنيين، كتبوا بدمائهم صفحة خالدة في تاريخ مقاومة الإرهاب

ذلك هو نبيل الجليطي، الباسل المغوار، ابن بنقردان الذي وقف مدافعًا عن أرضه وأهله بروحٍ لم تعرف التراجع. كان عنوانه الدائم: وطني… بروحي أفديه. في لحظةٍ فارقة، اختار أن يكون في الصفوف الأولى، فكتب بفعله صفحة من صفحات الشجاعة التي ستظل راسخة في ذاكرة المكان

ولذلك، سيبقى اسمه محفورًا في وجدان المدينة، يتردّد مع كل ذكرى من ذكريات ملحمة السابع من مارس، حين يرفع الأهالي رؤوسهم فخرًا برجالها. اسمٌ لا يمرّ مرور العابرين، بل يُستعاد كلما رُويت حكاية الصمود، وكأن صوت المدينة يردّد له دائمًا: أنت من سطّر التاريخ… أنت فخر بنقردان

عمل صحفي : مروى جويلي

Load More Related Articles
Load More By Jfara-Fm
Load More In أخبار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Check Also

الرابطة المحترفة الأولى-الجولة 23: النتائج الكاملة والترتيب

v في ما يلي النتائج والترتيب في أعقاب  الدفعة الثالثة والاخيرة من مباريات الجولة الثالثة و…